في مقال نشرته شبكة الجزيرة، يكتب محمد حداد هذا التقرير التحليلي في الذكرى الخامسة عشرة لانتفاضة يناير 2011، مسلطًا الضوء على حقيقة ديموجرافية لافتة: نحو ثلث المصريين اليوم وُلدوا بعد الربيع العربي، ولا يملكون أي ذاكرة شخصية عن الأيام التي خرج فيها ملايين المصريين إلى الشوارع مطالبين بالحرية والكرامة وإنهاء حكم حسني مبارك.
جيل بلا ذاكرة عن يناير
تمر خمسة عشر عامًا على اندلاع الاحتجاجات التي استلهمت نجاح الثورة التونسية، حين أسقط المتظاهرون الرئيس زين العابدين بن علي بعد 11 يومًا فقط. في مصر، خرج الناس في 25 يناير مطالبين بالحرية وسماع أصواتهم، مدفوعين بارتفاع معدلات البطالة والفقر والقمع السياسي.
استمرت الاحتجاجات 18 يومًا، شارك فيها ملايين المصريين في مختلف المحافظات، وانتهت في 11 فبراير 2011 بتنحي حسني مبارك وتسليم السلطة إلى المجلس العسكري. خلال تلك الأيام، لعبت الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في نقل صور المواجهات والاعتصامات إلى العالم.
لكن الواقع الديموجرافي اليوم مختلف جذريًا. يبلغ متوسط عمر المصريين نحو 24 عامًا، ما يجعل مصر من أصغر دول العالم من حيث التركيبة العمرية. يقدّر التقرير عدد من هم دون 15 عامًا بنحو 37 مليون شخص، أي ما يعادل 31 في المئة من السكان. بالنسبة لهؤلاء، تمثل ثورة يناير حدثًا تاريخيًا يُروى عبر ذاكرة الأجيال الأكبر، لا تجربة معاشة.
أرقام الاقتصاد والسكان: تغيّر كمي بلا تحسّن نوعي
يعقد التقرير مقارنة بين مصر عام 2011 ومصر بعد خمسة عشر عامًا. في عام الثورة، بلغ عدد السكان نحو 83 مليون نسمة، وسجلت البطالة 12 في المئة، ووصل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 2590 دولارًا، وكان الدولار يساوي نحو 5.8 جنيهات مصرية.
اليوم، يقترب عدد السكان من 120 مليون نسمة بعد زيادة تقارب 37 مليونًا. انخفضت البطالة رسميًا إلى 6.4 في المئة، وارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى 3339 دولارًا. لكن في المقابل، قفز سعر الدولار إلى نحو 47 جنيهًا، ما أضعف القوة الشرائية لمعظم المواطنين، وكشف الفجوة بين الأرقام الكلية والواقع المعيشي.
يشير التقرير إلى أن أكثر من نصف السكان تقل أعمارهم عن 24 عامًا، أي أقل بنحو سبع سنوات من المتوسط العالمي. وفق منتدى البحوث الاقتصادية، تحتاج مصر إلى خلق 1.5 مليون وظيفة سنويًا لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، بينما لم تنجح خلال العقدين الماضيين إلا في توفير نحو 600 ألف وظيفة سنويًا.
يبلغ عدد الطلاب في التعليم العالي حاليًا نحو 3.6 ملايين طالب، وتسعى الحكومة إلى رفع العدد إلى 5.6 ملايين بحلول 2032، في محاولة لمواكبة اقتصاد يُفترض أنه يتجه نحو التحديث. في الوقت نفسه، يستخدم أكثر من 80 في المئة من السكان الإنترنت، ويقود الشباب هذا الاستخدام عبر الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي.
شباب اليوم وإرث الربيع العربي
رغم انخفاض البطالة العامة، ترتفع بطالة الشباب بين 15 و29 عامًا إلى نحو 14.9 في المئة، وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. تكشف هذه الأرقام عن تحدٍ بنيوي يواجه جيلًا واسعًا لم يعش لحظة يناير، لكنه يرث نتائجها الاقتصادية والاجتماعية.
يستعرض التقرير بإيجاز محطات الأيام الـ18 للثورة، من “يوم الغضب” في 25 يناير، إلى “جمعة الغضب” في 28 يناير، ثم “موقعة الجمل” في 2 فبراير، وصولًا إلى خطاب مبارك الأخير في 10 فبراير وتنحيه في اليوم التالي. يضع هذا السرد في سياق تاريخي يشرح للأجيال الجديدة كيف تشكّلت تلك اللحظة.
يقارن التقرير أيضًا التركيبة العمرية في دول الربيع العربي الأخرى. في تونس، يشكل من هم دون 15 عامًا 24 في المئة من السكان، وفي ليبيا 27 في المئة، وفي سوريا 29 في المئة، بينما تسجل اليمن النسبة الأعلى بـ41 في المئة. تعكس هذه الأرقام واقعًا عربيًا مشتركًا: مجتمعات شابة تعيش تبعات لحظات تغيير كبرى لم تعشها كلها بشكل مباشر.
يخلص التقرير إلى أن ثورة يناير، رغم ابتعادها زمنيًا، ما زالت حاضرة في النقاش العام من خلال الذاكرة والرواية والتجربة المنقولة. جيل ما بعد 2011 لم يشهد الميادين، لكنه يعيش في ظل الأسئلة التي طرحتها: العدالة، الفرص، والقدرة على المشاركة في رسم المستقبل.
https://www.aljazeera.com/news/2026/1/26/born-after-the-arab-spring-37-million-egyptians-have-no-memory-of-2011

